هذا دين على العبد لابد ان يوفيه منه او من اهله، وهي قاعدة مشهورة ، حتى قال عليه الصلاة والسلام :( كما تدين تدان) ، او بعبارة اخرى:
الجزاء من جنس العمل.
، حكمة بليغة تناقلها الناس قديما ، وجاءت الشواهد من الكتاب والسنة دالة على صدقها ، فهي سنة كونية جعلها الله سبحانه وتعالى عظة وعبرة للناس .
روى عبد الرزاق في "المصنف" (11/178) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( البِرُّ لا يَبْلَى ، وَالِإثْمُ لَا يُنْسَى ، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ ، فَكُن كَمَا شِئتَ ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ )
قال الحافظ ابن حجر "فتح الباري" (13/466) : " مرسل ، ورجاله ثقات " .
وعن مالك بن دينار قال : مكتوب في التوراة ( كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ، وَكَمَا تَزرَعُ تَحصُدُ )
رواه الخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم العمل" (98)
قال في لسان العرب (13/164) : " أي : كما تُجازِي تُجازَى ، أي : تُجَازَى بفعلك وبحسب ما عملت " .
وهي قاعدة عظيمة مطردة في جميع الأحوال ، وبالتأمل في الكتاب والسنة نجد شواهد ذلك:
فقد عاقب الله تعالى المنافقين بجنس ما أذنبوا وارتكبوا ، فقال في سورة البقرة :
( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) فعاقبهم على استهزائهم بدين الله عقابا من جنس عملهم ، فقال سبحانه :
( اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) البقرة/14-15.
وقال تعالى في سورة التوبة :
( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ، سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) التوبة/79
قال ابن كثير رحمه الله "تفسير القرآن العظيم" (4/128) :
" قوله ( سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ ) من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين ؛ لأن الجزاء من جنس العمل "
.
وكذلك الحدود التي شرعها الله تعالى ، كان الجزاء فيها من جنس العمل .
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) المائدة/38
" أي مجازاة على صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم ، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ، والجزاء من جنس العمل " .
ومما وعد الله به عباده المؤمنين قوله تعالى ( هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) الرحمن/60.
" لأن الجزاء من جنس العمل ، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن الله إليهم برحمته " .
كما رتب الله تعالى من الأجور والثواب على بعض الأعمال ما هو مشاكل ومناسب للعمل نفسه ، ومن ذلك :
قوله تعالى : ( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) البقرة/40
وقوله تعالى : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) البقرة/152
وقوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) محمد/7
وقوله سبحانه : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) النور/22
يقول ابن كثير رحمه الله "تفسير القرآن العظيم"
(3/368) :
" فإن الجزاء من جنس العمل ، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك ، وكما تصفح نصفح عنك "
.
ومن السنة أحاديث كثيرة ، منها :قوله صلى الله عليه وسلم : ( ارحَمُوا مَن فِيْ الأَرضِ يَرحَمْكُمْ مَن فِي السَّمَاءِ )
رواه أبو داود (4941) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( احفَظِ اللَّهَ يَحفَظْكَ ) رواه الترمذي (2516) وقال : حسن صحيح ،
وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه ، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ ) رواه البخاري (2442) ومسلم (2580)
قال ابن رجب "جامع العلوم والحكم" (1/338) :
" هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل ، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى " .
ومن ذلك أيضا ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه ، في قول الله تعالى للرحم حين تعلقت به سبحانه : ( أَمَا تَرضَينَ أَن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ ؟ قَالَت : بَلَى ، قَالَ : فَذَاكِ لَكِ ) رواه البخاري (4830) ومسلم (2554) .
وقد جاء في السنة من الوعيد على بعض الذنوب ما هو مناسب ومشاكل لها ، فمن ذلك :
قوله صلى الله عليه وسلم :
( مَن لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهلٍ رَجَعَتِ الَّلعنَةُ عَلَيهِ )
رواه الترمذي (1978) وقال : حسن غريب .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَن ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَن شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيهِ )
رواه الترمذي (1940) وقال : حسن غريب .
ومنه ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( مَن سُئِلَ عَن عِلمٍ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلجِمَ يَومَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نَارٍ )
رواه الترمذي (2649) وقال : حديث حسن .قال المناوي في "فيض القدير" (6/146) : " الحديث خرج على مشاكلة العقوبة للذنب "
وهكذا كلما تأملت في نصوص الوحي ، وفي حوادث التاريخ ، وفي سنن الله في أرضه ، تجد أنها لا تتخلف عن هذه السنة ( الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ) ، وذلك من مقتضى عدله وحكمته سبحانه وتعالى .
كان سكان منطقة المهاجرين في منتصف القرن الماضي يجرون المياه الى بيوتهم عبر القرب والدواب، وفي يوم مرة خرج احد التجار من داره الى دكانه، وبعد ساعتين جاء السقا ليملأ تنكات الماء في دار هذا التاجر، فصدف أن يده لمست يد زوجة التاجر فاستغفرت ورجعت الى بيتها وكانت معروفة بالعفة والطهارة كما هي حال المسلمات في ذلك الوقت، ولما عاد زوجها الى البيت ترددت في اخباره، فقال لها : أريد أن أخبرك بأمر حصل معي اليوم وانا أقوم بمحاسبة امرأة في الدكان لمست يدي يدها. فسألته : متى كان ذلك؟ فقال: بعد حوالي ساعتين من خروجي من البيت . فقالت الزوجة: اذن تعال لأخبرك خبري: في تلك اللحظة جاء السقا ليملأ تنكات الماء فلمست يده يدي وهو يعطيني التنكة، يازوجي دقة بدقة لو زدت لزاد السقا .