الحقيقة أن الإنسان مسير ومخير في نفس الوقت، مسير في أمور كثيرة ليس له أي سلطان عليها كمقدار رزقه الآتي إليه، وكالأخبار المفاجئة التي تأتي إليه دون سابق إنذار والتي على أساسها يحزن أو يسعد، وكذلك الأمراض التي تصيبه وموعده الذي سيرحل فيه من الحياة وطريقة موته.. كل هذة الأشياء لا دخل للإنسان بها ولا يستطيع التحكم فيها، والدليل على ذلك أننا لم نسمع في يوم من الأيام عن شخص حدد مقدار رزقه قبل أن يأتي إليه، ولا عن شخص قرر التحكم في الأخبار الآتية إليه لكي لا يستقبل منها إلا ما يفرح قلبه، ولم نرى شخصا إختار مكان وزمان موته والطريقة التي يريد أن يموت بها.
أما الأشياء التي يمكننا القول بأن الإنسان مخير فيها فهي تتلخص في المبادئ والقناعات والآراء التي يكونها الإنسان عبر حياته فهذة الأشياء ملك له وحده، كون الإنسان لديه حرية الاختيار في أن يؤمن بالله أو يكفر به فهو مخير، الإنسان مخير أيضاً في اختياراته الشخصية والتي تشتمل على اختياره نوع الطعام الذي يأكله، ونوع الشراب الذي يشربه وخامات وألوان الملابس التي يرتديها، والأماكن التي يذهب إليها، والكلمات التي يريد أن يعبر عنها بلسانه والأعمال والأنشطة التي يقوم بها على الأرض ..
كل هذة الأمور تعبر عن حرية الإنسان الكاملة في اتخاذه للقرارات وفي عزمه على الأفعال.
ويمكننا القول والاعتراف بأن هناك أمور أخرى تجعل الإنسان مخير ومسير في نفس الوقت، كاختياراته وقراراته المصيرية التي يتخذها دون تفكير عميق ولا يأخذ فيها وقت طويل للتفكير، ويكتشف في النهاية أنه اختار لنفسه الاختيار الأفضل وقرر لنفسه القرار الصحيح، عندها يستنتج أن الله هو الذي استخدمه ليختار تلك الاختيارات ويقرر تلك القرارات، والزواج مثال قوي على ذلك لأنه يعبر عن حريتنا الكاملة في اختيار شريك الحياة وفي نفس الوقت نجد شعور ما بداخلنا يدفعنا لاختياره، هناك أشخاص يختاروا شركاء حياتهم وبعد مرور سنوات يكتشفون أنهم لم يأخذوا الوقت الكافي لهذا الاختيار ويقولون في قرارة أنفسهم: لا نعلم ما الذي جعلنا نختار ونقرر، ولا نعرف لماذا اخترنا هذا الشخص ولماذا أقدمنا على قرار الزواج.. هذه الحالات تفسر تدخل الله في حياة الإنسان ليدفعه لاتخاذ قرار معين مثل الزواج وهذا ما يسمى بالقسمة والنصيب، وكثير من الناس يفهمون مصطلح القسمة والنصيب على أنهما يعبران عن إجبار من الله للبشر وهذا خطأ لأنهما يعبران عن تدخل الله لدفع الإنسان لاتخاذ قرار مصيري يكون في صالحه لا محالة والإنسان يكتشف هذا في نهاية الأمر، والدليل على ذلك أننا لا نختار والدينا أو عائلاتنا لأن الله هو الذي تدخل ليقربهم من بعضهما البعض لنأتي نحن إلى هذه الحياة.
فالله اخفى علمه عن خلقه هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار، وأرسل إليك الأوامر والنواهي فإن أطعت سعدت في الدارين، وليس عليك بعدها أن تعلم هل أنت مسير أم مخير ؟،
لوكنت مسيرا كالحيوان فلم أعطاك العقل والتكليف، ولم أرسل لك الرسل ، ولم قال لك ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)..ألا تجد فيك ميلا وعزما على الاختيار..؟
ألا تتأمل في قوله تعالى ( لها ماكسبت وعليها مااكتسبت).؟ وهل يحاسبك الله يوم القيامة على الأشياء التي أجبرك عليها: الولادة، الذكورة.الكبر. الشيخوخة .الوفاة....معاذ الله أن يجبرك ويقهرك ثم يجري حسابه عليك وهو العدل الرحيم.
ومع ذلك احفظ القاعدة ( لايسأل عما يفعل وهم يسألون)
.هذه مسألة اعتقادية تسمى الواجب الشرعي وهي أن الله تعالى وعد الجنة للمطيع، والله لايخلف وعده، أي أن الله أوجب على نفسه ذلك فصار واجبا شرعيا أن يفي بوعده جل جلاله.
لاتقل قدر علي الزنا وتذهب فتفعلها، كلام مردود قطعا ،لم يعطك علمه لتقول ذلك.
جاء رجل إلى سيدنا عمر وقد شرب الخمرة، سأله لم؟ قال قدر الله علي فشربت.قال سيدنا عمر : اجلدوه بدل أربعين ثمانين لافترائه على الله تعالى
لذا ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة في الراجح عندهم وهو مقابل الأصح عند الشافعية إلى أن الحد ثمانون جلدة لا فرق بين الذكر والأنثى،
.
واستدلوا على ذلك بإجماع الصحابة فإنه روي أن سيدنا عمر استشار الناس في حد الخمر فقال سيدنا عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب سيدنا عمر ثمانين، وكتب به إلى سيدنا خالد وأبي عبيدة بالشام .
وروي أن سيدنا عليا هو الذي قال في المشورة : إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى , وعلى المفتري ثمانون .