لَحِق التوراة والإنجيل التحريف والتبديل ، كما قال الله تعالى : ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) البقرة / 79 .
وبسبب هذا التحريف واختلاط الحق بالباطل فيهما ؛ جاء النهي عن مطالعتهما .
عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ ، فَقَرَأَهُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ وَقَالَ : ( أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا ، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي ) " رواه أحمد (14736) ،
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أسانيد هذا الحديث :
" وهذه جميع طرق هذا الحديث ، وهي وإن لم يكن فيها ما يحتج به ، لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا " انتهى من " فتح الباري " (13/525) .
ثم إن الحق الذي في التوراة والإنجيل يغني عنه ما في القرآن الكريم .قال الله تعالى :
( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت / 51 .
وروى النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد عمر بن الخطاب شيئا من التوراة ، فقال : ( لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني : لضللتم ) . وفي رواية : ( ما وسعه إلا اتباعي ) ، وفي لفظ : " فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه عمر ذلك ، فقال له بعض الأنصار : يا ابن الخطاب ! ألا ترى إلى وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيًا " .
ولهذا كان الصحابة ينهون عن اتباع كتاب غير القرآن ..."
ولهذا كان جدي سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما يقول :
" كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْدَثُ ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ ، وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً ، أَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ ، لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلاً يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ " رواه البخاري (7363) .
ثم إن الاشتغال بالتوراة والإنجيل : اشتغال بما لا ينفع المسلم في آخرته قال القرطبي رحمه الله تعالى :
" وإذا كان لقارئه – أي القرآن - بكلّ حرف عشر حسنات فأكثر ، على ما ذكرناه في مقدّمة الكتاب ، فالرّغبة عنه إلى غيره : ضلال وخسران ، وغبن ونقصان " انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " (16/378) .
ثانيا :
بناء على ما سبق ذكره ، ذهب أهل العلم رحمهم الله : إلى أن المطالعين لهذه الكتب – كتب اليهود والنصارى - على قسمين :
القسم الأول :
العامي ، ومن ليس له علم ، وكذا ضعيف الإيمان : فينهى عن مطالعتهما حتى لا يفتن بما أدخل فيهما من الباطل ، وحتى لا يشغل نفسه بما لا ينفعه .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : " وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَيَصِرْ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْإِيمَانِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.." " فتح الباري " (13/525 ) .
وعلى هذا القسم - العوام ومن في معناهم ، أو من طلب النفع في دينه من هذه الكتب - تتنزل أقوال أهل العلم في النهي عن النظر في التوراة والإنجيل .
جاء في مطالب أولي النهى الحنبلي ( 1 / 607 ) :
" ( ولا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب ، نصا ) ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر صحيفة من التوراة ... ولا النظر في ( كتب مشتملة على حق وباطل ، ولا روايتها ) ؛ لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد " .
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى :
" وكتب التّوراة والإِنجيل : ممّا يحرم الانتفاع به ، لأنّهم بدّلوا وغيّروا " " روضة الطالبين " ( 10 / 259).